الثلاثاء 27 يونيو - حزيران - 2000

تحريك العش


« كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على مناكبه، هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي » (تث11:32، 12)

في ذلك النشيد الخالد الذي اختتم به موسى حديثه لشعبه، يحملنا الخيال على أجنحة الريح لنقف بجانب عش أحد النسور في قمم الجبال الشامخة؛ حيث نجد مفتاحاً لإدراك طرق معاملة الله للإنسان. عندما تكبر فراخ النسر ويكون في استطاعتها الطيران تلازم عشها، ولا تتجاسر أن تزج بنفسها في الجو الذي لم تختبره بعد، ولا تثق في أجنحتها. ولكنها يجب أن تتعلم الطيران، هنالك سعادة وأمجاد تنتظرها في الفضاء الفسيح المترامي الأطراف لا تُقاس بجانبها سعادة العش الخشن الذي نشأت فيه. لذلك يحرك النسر عشه فيدفعها منه.

ويا له من رُعب لا مزيد عليه يملأ قلب النسور إذ ترى ذلك العش قد تهدَّم، وتتوهم أنها وقد أُلقى بها في الجو قد أصبح مصيرها الهلاك المحقق. ولكنها عندما ترى الهواء قد حملها على أجنحته، وعندما تختبر عملياً لذة حرية الطيران وسعادته، تحس بأنها مَدِينة بالشكر الذي لا يُعبَّر عنه نحو الأب الذي لم يحجم عن تلك العملية المزعجة، والذي يظل ملازماً فراخه بجانبها مستعداً لأن يحملها لو خانتها قواها، ويرفعها إلى فوق. وهنالك في كبد السماء ليتركها ثانية ثم يتلقاها مرة أخرى، وهكذا في كل مرة تزداد فراخ النسر ثقة بنفسها كما تزداد قوة وتتفتق موهبة الطيران التي كانت لا تحس بها وهى ملازمة لعشها.

هذا مثل جميل يمثل الحياة البشرية. فإننا جميعاً نميل إلى مُلازمة العش القديم؛ الموطن القديم الذي ولدنا فيه، الأشخاص الأعزاء المخلصين الذين يستطيعون حمايتنا والدفاع عنا، المكان الذي أصبحنا فيه معروفين، الوجوه التي اعتدنا رؤيتها.

على أن محبة الله العظيمة قد ادخرت لنا أموراً أفضل. فهو يعلم أن هناك مرتفعات ومنخفضات لا نعرفها حتى نخرج إليها. قد تشتد آلام وفزع تلك اللحظة التي فيها يحرك العش، والتي عندها نجد أنفسنا قد دُفعنا إلى وسط غريب وأصبحت حياتنا كأنها معلـّقة في الفضاء، ولكن تلك الآلام لا تُقاس بالمجد الذي يُعلـَن لنا في الحال « وأما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور »
(إش31:40) . إن اليد التي ثُقبت بالمسامير، هي التي تحطم عش الماضي، وتومئ إليك مُشيرة إلى الحقائق المباركة التي لم تختبرها، والتي تنتظرك.


 

ف.ب. ماير

   


إذا كانت هذه التأملات قد ساهمت في تعزيتك وتقويتك في طريق الرب، فلماذا لا تكتب لنا وتخبرنا فنفرح معك ونتعزى. وإذا كان لديك أسئلة روحية فيمكنك أيضاً مراسلتنا على أحد العناوين في الصفحات التالية:

- بيت الله - اسمع - جهنم -

يمكنك أيضاً زيارة صفحة طعام وتعزية الشقيقة

جميع الحقوق محفوظة ©

 إلى الوجبة التالية NEXT إلى الوجبة السابقة  PREVIOS